الحلبي

335

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الثلاثة له وعد منها الرؤيا في المنام ، وعد منها الكلام من غير واسطة ، وبواسطة جبريل نظر ، لما علمت أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعهم مشتركون في الرؤيا ، وموسى عليه الصلاة والسلام حصل له كل من الكلام بلا واسطة وبواسطة جبريل . وذكر بعضهم أن مدة الرؤيا ستة أشهر قال فيكون ابتداء الرؤيا حصل في شهر ربيع الأول ، وهو مولده صلى اللّه عليه وسلم ثم أوحى اللّه إليه في اليقظة أي في رمضان ذكره البيهقي وغيره . وجاء في الحديث : « الرؤيا الصادقة » وفي البخاري « الرؤيا الحسنة : أي الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » . قال بعضهم : معناه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حين بعث أقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وبالمدينة عشر سنين يوحي إليه ومدة الوحي إليه في اليقظة ثلاث وعشرون سنة ، ومدة الوحي إليه في المنام أي التي هي الرؤيا ستة أشهر ، فالمراد خصوص رؤيته وخصوص نبوته صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا القيل نقله في الهدى وأقره حيث قال : كانت الرؤيا ستة أشهر ، ومدة النبوة ثلاثا وعشرين سنة ، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا ، هذا كلامه . وحينئذ يكون المعنى ورؤيتي جزء من ستة وأربعين جزءا من نبوتي ، ولا يخفى أن هذا لا يناسب « الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح » إذ هو يقتضي أن مطلق الرؤيا الصالحة جزء من مطلق النبوة الشامل لنبوته صلى اللّه عليه وسلم ونبوة غيره فليتأمل . ولم أقف في كلام أحد على مشاركة أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له صلى اللّه عليه وسلم في هاتين المدتين . وحينئذ تحمل الخصوصية التي ادعاها بعضهم على هذا . ومما يدل على أن المراد مطلق الرؤيا ومطلق النبوة لا خصوص رؤياه ونبوته صلى اللّه عليه وسلم ، ما جاء في ذلك من الألفاظ التي بلغت خمسة عشر لفظا . ففي رواية « أنها جزء من سبعين جزءا » وفي رواية « من أربعة وأربعين » وفي رواية « أنها جزء من خمسين جزءا من النبوة » وفي رواية « من تسعة وأربعين » وفي أخرى « أنها جزء من ستة وسبعين » وفي أخرى « من خمسة وعشرين جزءا » وفي أخرى « من ستة وعشرين جزءا » وفي أخرى « من أربعة وعشرين جزءا » فإن ذلك باعتبار الأشخاص لتفاوت مراتبهم في الرؤيا . وذكر الحافظ ابن حجر أن أصح الروايات مطلقا رواية ستة وأربعين ، ويليها رواية أنها جزء من سبعين جزءا . فعلم أن الرؤية المذكورة جزء من مطلق النبوة : أي كجزء منها من جهة الاطلاع على بعض الغيب ، فلا ينافي انقطاع النبوة بموته صلى اللّه عليه وسلم .